أحمد مصطفى المراغي

13

تفسير المراغي

السابقتين ، وأنزل عزّ وجل في أوس بن قيظى وجبار بن صخر ومن كان معهما ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ - إلى قوله - لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) . الإيضاح ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ؟ ) أي لأي سبب تكفرون بتلك الآيات واللّه مطلع على أعمالكم ، لا تخفى عليه خافية من أمركم وهو مجازيكم بها ؟ وذلك مما يوجب عليكم ألا تجترءوا على الكفر بآياته . ولا يخفى ما في هذا من التوبيخ والإيماء إلى تعجيزهم عن إقامة العذر على كفرهم ، كأنه قيل هاتوا عذركم إن كان ذلك في مكنتكم . ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ ؟ ) أي لأىّ سبب تصرفون من آمن بمحمد صلى اللّه عليه وسلم واتبعه عن الإيمان الذي يرقى عقل المؤمن بما فيه من طلب النظر في الكون ، ويرقى روحه بتزكيتها بالأخلاق الطيبة ، والأعمال الصالحة ، وتكذبون بذلك كفرا وعنادا ، وكبرا وحسدا ، وتلقون الشبهات الباطلة في قلوب الضعفاء من المسلمين بغيا وكيدا للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، تبغون لأهل دين اللّه ولمن هو على سبيل الحق عوجا وضلالا ، وزيغا عن الاستقامة على الهدى والمحجة ، وأنتم عارفون بتقدم البشارة به ، عالمون بصدق نبوته ، ومن كان كذلك فلا يليق به الإصرار على الباطل والضلال والإضلال . ( وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) من هذا الصدّ وغيره من الأعمال ، فمجازيكم عليه ، وغير خاف ما في هذا من تهديد ووعيد ، كما يقول الرجل لعبده وقد أنكر عليه اعوجاج أخلاقه : لا يخفى علىّ ما أنت عليه ، وما أنا بغافل عن أمرك . وإنما ختم هذه الآية بنفي الغفلة ، لأن صدهم عن الإسلام كان بضرب من المكر والكيد ووجوه الحيل ، وختم الآية السابقة بقوله واللّه شهيد ؛ لأن العمل الذي فيها وهو الكفر ظاهر مشهود .